فخر الدين الرازي
5
تفسير الرازي
وصفهم بقوله : * ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ) * فثبت أن المراد منه توبة المسلم عن المعصية ، والمراد من قوله * ( بجهالة ) * ليس هو الخطأ والغلط ، لأن ذلك لا حاجة به إلى التوبة ، بل المراد منه ، أن تقدم على المعصية بسبب الشهوة ، فكان المراد منه بيان أن المسلم إذا أقدم على الذنب مع العلم بكونه ذنباً ثم تاب منه توبة حقيقية فإن الله تعالى يقبل توبته . المسألة الثانية : قرأ نافع * ( أنه من عمل منكم ) * بفتح الألف * ( فإنه غفور ) * بكسر الألف ، وقرأ عاصم وابن عامر بالفتح فيهما ، والباقون بالكسر فيهما . أما فتح الأولى فعلى التفسير للرحمة ، كأنه قيل : كتب ربكم على نفسه أنه من عمل منكم . وأما فتح الثانية فعلى أن يجعله بدلاً من الأولى كقوله * ( أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون ) * ( المؤمنون : 85 ) وقوله * ( كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ) * ( الحج : 4 ) وقوله * ( ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم ) * ( التوبة : 63 ) قال أبو علي الفارسي : من فتح الأولى فقد جعلها بدلاً من الرحمة ، وأما التي بعد الفاء فعلى أنه أضمر له خبراً تقديره ، فله أنه غفور رحيم ، أي فله غفرانه ، أو أضمر مبتدأ يكون " أن " خبره كأنه قيل : فأمره أنه غفور رحيم . وأما من كسرهما جميعاً فلأنه لما قال * ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) * فقد تم هذا الكلام ، ثم ابتدأ وقال * ( إنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم ) * فدخلت الفاء جواباً للجزاء ، وكسرت إن لأنها دخلت على مبتدأ وخبر كأنك قلت فهو غفور رحيم . إلا أن الكلام بأن أوكد هذا قول الزجاج . وقرأ نافع الأولى بالفتح والثانية بالكسر ، لأنه أبدل الأولى من الرحمة ، واستأنف ما بعد الفاء . والله أعلم . المسألة الثالثة : قوله : * ( من عمل منكم سوءاً بجهالة ) * قال الحسن : كل من عمل معصية فهو جاهل ، ثم اختلفوا فقيل : إنه جاهل بمقدار ما فاته من الثواب وما استحقه من العقاب ، وقيل : إنه وإن علم أن عاقبة ذلك الفعل مذمومة ، إلا أنه آثر اللذة العاجلة على الخير الكثير الآجل ، ومن آثر القليل على الكثير قيل في العرف إنه جاهل . وحاصل الكلام أنه وإن لم يكن جاهلاً إلا أنه لما فعل ما يليق بالجهال أطلق عليه لفظ الجاهل ، وقيل نزلت هذه الآية في عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما اقترحوه ، ولم يعلم بأنها مفسدة ونظير هذه الآية قوله : * ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ) * ( النساء : 17 ) . المسألة الرابعة : قوله تعالى : * ( ثم تاب من بعده وأصلح ) * فقوله * ( تاب ) * إشارة إلى الندم على الماضي وقوله * ( وأصلح ) * إشارة إلى كونه آتياً بالأعمال الصالحة في الزمان المستقبل . ثم قال : * ( فإنه غفور رحيم ) * فهو غفور بسبب إزالة العقاب ، رحيم بسبب إيصال الثواب الذي هو النهاية في الرحمة . والله أعلم . * ( وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الاَْيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ * قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ * قُلْ إِنِّى عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ) * .